
מאת: ניסים אמון
نيسيم أمون: كيف استطعنا ان نتناسى السعادة؟!
تـرجمـة: خالـد قعبور
"السؤال: هل نحن سُعـداء ؟، هو سؤال مُعَـقـّد، مزعِج (يـُثـيـر الغضب) وينطوي على المراوغة، وكثيرون من الناس - حتى بينهم وبين أنفـسهم – غـير مستعـدّيـن للبحـث عـن جـواب لـه".
يوم عاديّ في قرية صغيرة، شمس برتقالية تطلّ على البحر، وفوق الأكمة تحت شجرة زيتون يجلس راعي غنم ومن حوله مجموعة من الخراف والماعز. وهناك أُمّ تضع ولدها في عربة السوبرماركت تـتـوارى في باب الدخول. وأمام بوّابة كهربائـيّة رجلٌ في سيارته الفخمة، وللتـوّ تـُفـتح البوابة لتـُطلّ على ساحة لفيلا كبيرة. عجوزٌ في ثيابها السوداء تقطع الشارع، وعلى الرصيف ينتظر فتى يمسك في يـده شاحنة بلاستيكيّة. زوج من السيّاح يسحب نقودًا من الجهاز الآلي المحاذي للبنك. ألراعي على الأكمة بدا كأنـه جـزء من مشهد ريفيّ هادئ وطيّـب، لكن من الممكن أيضا أن يكون قـد سأم من الذباب الذي حوله، أو من رائحة الخراف أو ربما من كونه مجـرّد راع ٍ في بقعة صغيرة من هذا العالم. الأُمّ في السوبرماركت ربما كانت مستمتعة بوقـتها في السوبر المكيَّـف، ولكنها، بنفس الدرجة، ربما كانت مُجْهـَدة نفسيًّا، عصبيّة وغاضبة. أما الرجُـل في الـسيّارة الفخمة فقـد يكون راغبـًا جدًا بالرجوع إلى البيت وقد لا يكون كذلك. ألأرملة في الثياب السوداء قـد تكون حزينة، ومن المحتمل أن تكون في وضع أفضل من سابقه. أما الفتى في الخارج، أو زوج السيّاح، أو النساء اللواتي في المقهى أو سائـق سيّارة الأُجـرة، فكيف يمكننا من الخارج أن نعـرف ماذا يجول في داخلهم؟
هذا السؤال، هل نحن سُعداء هو سؤال مُعـَقـّد، مزعِج (يـُثـيـر الغضب) وينطوي عل المراوغة، وكثيرون من الناس - حتى بينهم وبين نفسهم - غير مستعـدّيـن للبحـث عـن جـواب له.
في جيل الثامنة عشرة أنهيتُ ثلاث عشرة سنة من الدراسة الرسميّة والمنظَّمة. على امتـداد هذه السنوات الطوال لا أذكر أن سألوني، ولـو لمرّة واحـدة فقط، عـن وضع السعادة في بيتي. أجل، قد سألوني عن مصادر الدخـل، عن سنوات التعليم لدى الوالدين، عن عدد الغـُرَف في البيت بالنسبة لعدد الإخوة، لكن لم يحدث أبـدَا أن سألوني السؤال الأساسي جدا – في أي عُشر من السعادة نحن متواجدون.
عندما بـدأت بالخروج مع فـتـيات وقابلت أهلهن، فهؤلاء لم يهتمّوا أيضًا إلا ّ في معرفة ماذا يعمل والداي، ولم يهتمـّوا قط بمعـرفة هل هما سـعـيـدان أم لا.
في رحلـتي في اقـتـفـاء آثار السعادة في أماكن أخرى من العالم، وجـدتُ أنّ تجاهـلها لم يكن فقط في عائـلـتـي،أو في المدارس التي تعـلـّمت فيها أو في مدينة الـقـُدس، وإنما وجـدتُ أن ذلك هو ظاهرة منتشرة في العالم. وعلى ما يـبـدو، قـد يـكون هذا الأمـر متعـلـقـَا بـأنـماط التـفـكيـر البـشريّ.
في جميع أنحاء العالم يجد الناس أنفسهم في سباق مستمرّ من أجل الحصول على المزيـد، معرفة المزيد واسـتـنفاد أكثر ما يمكن من طاقـتـهم الشخصية. هناك ضغط هائـل، وفي كثيـر من الأحيان من الوالديـن بالـذات، يحث على الإجتهاد والكدّ بـهـدف الوصول كأوائـل إلى خط النهاية في مضمار السباق الشامل، إلا أنه، ولشـدّة خـيـبـة الأمل، فإن خط النهاية التحصيـليّ (الإنجازيّ) يـَزيح إلى الأمام كل الوقت. أما بالنسبة لمقـدار السعادة، فعلى ما يـبـدو أنّ هناك نـوع من السكوت والتغاضي وهالة من السريّة ونظام ناجح جـدا، دفعـت الاهتمام بـه جانـبـًا.

قـرّرت أن أُجـمـّد جميع برامجي الأخـرى وأن أُركـّز في لغز السعادة فقط. رغبت في أمور أخـرى أيضًا، إلا ّ أن هذا الأمر كان أكثر الأشياء التي تنقصني أهـمـيـّة ً. بعـد عـدّة سـنوات فقط، تمكـّنـتٌ من حـل السؤال لماذا لا يحـب الناس في جميع أنحاء العالم أن يسألوا ويهتموا في معرفة هذا الموضوع الذي يدعـونه السعادة.
يتجاهل الناس السعادة لأننا تعـلـّمنا، مِن البـيـئـة التي تـرعـرعـنا فيها، أنّ هناك شؤونًا أكثر أهميّة، وأن الناس لا يسألون الواحـد الآخـر عن ذلك، لأنّ هذا السؤال أصلا ً لا يسألونه لأنفـسهم.
هل ربّاكم أهلكم (عبر التصرُّفات، وليس عبر الكلام) على أنّ عدم المعاناة هو أمر هامّ؟ أنّ الإجهاد النفسيّ، الشكاوى، والانـتـقاد، هي في نهاية المطاف تـسبـّب لكم أن لا تكونوا سعداء؟ هل علّموكم (ربّوكم) أنّ أنجع دواء في التغـلـّب على جميع الأمراض هو أن تحبـّوا نـفـوسكم، وأن تـُؤمنـوا في حـقـيـقـة أنّ أهمّ شيء هو أنْ تكونوا هادئين من الداخـل؟
يمكن أن يكون الشخص راعي غنم، أو أمـًا مع ابنها في السوبرماركت، أورَجـُل أعمال، أو خـبـيـرًا في الحـَبـَق أو عاملا ً في تـعـبـيـد الـشوارع، إلا ّ أن السعادة هي ليس ما نفعله نحن في الخارج، وإنما مَن نحن مِن الداخـل. الجميع يريدون أن يكونوا سعداء، لكن الكثيرين منهم يستكفون بأن يريـدوا فقط، ويتعاملون مع السعادة وكأنها أمنية.
إن عمليّة تعـلـّم السعادة لا قوانين فيها ولا أوامر، والهدف منها هو أن لا نـُضيف ثـقـلا ً زائـدًا على الحياة، وإنما الهدف هو تبسيط وتلطيف وتيـرة الحياة اليومية. لتكن الإستفاقة صباحـًا أمرًا جميـلا ً، وليكن النـوم ليـلا ً أمرًا مـُمتـعـًا. لـنتـحـدّث بحريـّة أكثـر، لنلمس أكثر ونرقص أكثر، وليحـبّ بعضنا بعضًا بتسامح وتـفاؤل حتى في أصعـب الأوقات.
לראש העמוד |